مقدمة: منقذ نيسان في قفص الاتهام (من بودكاست عرب كاست)
يُعد كارلوس غصن، الرئيس التنفيذي السابق لتحالف رينو-نيسان-ميتسوبيشي، أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في عالم الأعمال الحديث. فقد انتقل من مرتبة “المنقذ الأسطوري” لشركة نيسان المتعثرة إلى “هارب دولي” مطلوب من الإنتربول. في هذا اللقاء، الذي استضافه بودكاست “قصص” على قناة “عرب كاست”، يقدم غصن روايته الكاملة، كاشفاً عن أسرار النجاح في الإدارة العالمية، وتفاصيل المؤامرة التي أدت إلى سقوطه، ورؤيته لمستقبل صناعة السيارات.
المحور الأول: السقوط المدوّي وأسرار القضية اليابانية
يركز غصن جزءاً كبيراً من دفاعه على تفكيك الاتهامات الموجهة إليه، مقدماً روايته التي تتهم النظامين السياسي والقضائي في اليابان وفرنسا.
أ. تفنيد أسباب التوقيف
- الخلفية المالية: ينفي غصن أن يكون سبب توقيفه الأصلي يتعلق بفساد مالي حقيقي، بل يدور حول عدم الإفصاح عن خطة تقاعد مستقبلية لم يتم إقرارها أو دفعها رسمياً من مجلس الإدارة بعد. يصف هذه الاتهامات بأنها “تركيبة” مُعدّة خصيصاً لتبرير الإطاحة به.
- نظام “عدالة الرهائن”: انتقد غصن بشدة نظام العدالة الجنائية الياباني، مشيراً إلى أن نسبة الإدانة فيه تقترب من 99.4%، مما يجعلها بيئة غير عادلة لا تترك للمتهم خياراً سوى الاعتراف.
- تسييس الإجراءات: أكد أن النشرة الحمراء الصادرة عن الإنتربول ضده وضد زوجته كانت نتيجة لطلب سياسي من اليابان، انتقاماً لهروبه، وليس دليلاً على إدانة دولية ثابتة.
ب. مآلات التحالف بعد الرحيل
- انهيار القيمة: يشير غصن إلى أنه ترك “نيسان” عام 2018 بسيولة نقدية ضخمة (حوالي 20 مليار دولار)، وأن التدهور الذي لحق بالشركة بعد رحيله أدى إلى خسارة مكاسب 19 عاماً من العمل.
- نزيف الكفاءات: يرى أن الانهيار كان متوقعاً؛ لأنه لم يغادر وحده، بل تبعه عدد من الكفاءات الأساسية التي كان يعتمد عليها التحالف.
المحور الثاني: فلسفة القيادة وتحويل المستحيل
يستعرض غصن تجربته في إعادة هيكلة “نيسان”، مؤكداً أن الإدارة الناجحة تتجاوز مجرد تخفيض التكاليف.
أ. المنقذ وليس المدمر
- إعادة تخصيص الموارد: يرفض لقب “قاهر التكاليف”، ويصف استراتيجيته بـ “إعادة تخصيص الموارد”؛ حيث كانت تقوم على إزالة الهدر والعمليات غير المجدية وتوجيه الأموال المُدّخرة نحو الاستثمار في المنتجات والتوسع الجغرافي.
- بناء الحماس والمنتج: يؤكد أن النجاح لم يأتِ من القرارات الإدارية القاسية فقط، بل من إثارة حماس المهندسين لتقديم منتجات استثنائية (مثل إحياء طرازات GT-R وZ الشهيرة) لتعويض ضعف العلامة التجارية لـ”نيسان” في ذلك الوقت.
ب. التعامل مع الثقافات والقوى العظمى
- الإقناع بدلاً من السلطة: يشدد على أهمية القيادة القائمة على الإقناع وليس على مجرد السلطة، فالتنفيذ الناجح للقرارات يتطلب اقتناع الفريق بالخطة.
- التعامل مع بوتين: يكشف عن تعامله الإيجابي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بصفته رئيس “رينو”، موضحاً أن “بوتين” اختاره للاستثمار في شركة “أفتوفاز” (لادا) لـ احترامه للثقافة المحلية في اليابان، وطالبه بتطبيق المنهج نفسه في روسيا.
المحور الثالث: الفرص الضائعة والدروس المستفادة
يقدم غصن نظرة نقدية على فرص الاستثمار في المنطقة العربية، ويستخلص درساً مهماً من مسيرته المهنية.
أ. عقبات صناعة السيارات في العالم العربي
- توقف المشاريع: يكشف عن أن محاولات إنشاء مصانع للسيارات في السعودية والإمارات لم تصل إلى نتيجة إيجابية على مدى عقد من الزمن، مرجعاً السبب إلى تغيير الإدارات وتوقف عملية اتخاذ القرار.
- غياب السوق الموحدة: يرى أن التحدي الأكبر هو عدم تطبيق اتفاقيات التجارة الحرة بين الدول العربية بشكل فعلي، مما يمنع خلق سوق عربي موحد وكبير قادر على استيعاب إنتاج المصانع، وهو ما يفسر نجاح دول مثل الصين.
ب. الدرس المهني والحياة الجديدة
- تغليب المؤسسة على الذات: يعترف غصن بأنه ارتكب خطأً مهنياً كبيراً بتغليب مصالح الشركات (رينو ونيسان) على مصالحه الشخصية، مما جعله عرضة للتخلي عنه بمجرد انتهاء الحاجة إليه.
- النصيحة الذهبية للقيادة: يوصي بضرورة وضع المصلحة الشخصية للمدير التنفيذي على “نفس مستوى أو أعلى” من مصلحة المجموعة.
- الابتعاد عن السياسة: يقدم أهم نصيحة إدارية: “ابتعد عن الدولة والسياسة قدر الإمكان”، مشيراً إلى أن التدخل الحكومي هو الذي أفسد مسيرته.
- الحرية في لبنان: يصف حياته الحالية في لبنان بأنها “فرصة حياة جديدة”، حيث بات يتمتع بـ “الحرية” ويفعل ما يرغب فيه دون قيود مجالس الإدارة، ويعمل مستشاراً بعيداً عن ضغوط السلطة.
الخاتمة
من الصعب الحكم على مدى صحة الادعاءات من خلال لقاء بودكاست، فهذه القضايا مكانها المحاكم، لكن من الواضح أن كارلوس غصن كان ذا كفاءة في التعامل مع مشاكل شركة نيسان وحققت في عهده نجاحات كبيرة، وبعد خروجه من الشركة بدأ مرة أخرى تدهورها، وقد كان لقضية كارلوس غصن تداعيات حتى على الوكلاء خارج الشركة، فقد تم تغيير الوكيل الرسمي في دول الخليج وأثر ذلك ربما على مبيعات وخدمات نيسان في سلطنة عمان وبعض البلدان، والسؤال المطروح هل ستتمكن شركة نيسان من القيام من عثرتها من جديد في ظل الإدارة الجديدة لها؟
