تحليل استراتيجية الصين في المواجهة التجارية: ورقة الصويا وسر التحدي أمام واشنطن

يتناول هذا الفيديو تحليلاً معمقاً لجوانب الصراع التجاري المحتدم بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، مسلطاً الضوء على الكيفية التي استطاعت بها بكين تحويل إحدى أهم السلع الزراعية الأمريكية، وهي فول الصويا، إلى “سلاح اقتصادي” فتاك لردع الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأمريكي السابق. يكشف التحليل عن ثبات الموقف الصيني ورفضه للإذعان، وكيف أن هذا الصراع تجاوز كونه مجرد نزاع على التعريفات الجمركية ليصبح تحدياً لاستراتيجيات الأمن الغذائي والسياسي لكلا القوتين العظميين.

المحور الأول: موقف بكين المتحدي ورفض الإملاءات

تتجلى استراتيجية الصين في المواجهة التجارية في رفضها القاطع للخضوع لما تعتبره “تنمر وابتزاز” من واشنطن. هذا الموقف لا يقتصر على الردود الدبلوماسية، بل يتجسد في إجراءات عقابية موازية وقوية، مما يناقض توقعات الإدارة الأمريكية بأن بكين قد تذعن للضغط.

التصعيد المُقابل للتعريفات الجمركية

في أعقاب قرار واشنطن بفرض تعريفة جمركية كبيرة، بلغت 34%، على الواردات الصينية، ردت وزارة المالية الصينية على الفور بإجراء “المعاملة بالمثل”، حيث فرضت نفس النسبة من التعريفات على جميع الواردات الأمريكية، مستهدفة بذلك نقاط الضعف الأمريكية. هذا الإصرار يعكس إيماناً بأن التكاليف الاقتصادية للمواجهة، مهما كانت باهظة، تُعد ثمناً مقبولاً للحفاظ على الهيبة الوطنية وعدم الظهور بمظهر الضعيف أمام الغرب، وهو مبدأ راسخ في السردية الوطنية للحزب الشيوعي الحاكم.

أوراق الضغط الصينية المتعددة

لم تكتفِ الصين بمجرد الرد على التعريفات، بل استخدمت أدوات ضغط استراتيجية. فبالإضافة إلى وقف مشتريات فول الصويا، اتخذت بكين إجراءات للحد من صادراتها من المعادن النادرة، التي تُعد عنصراً حيوياً لا غنى عنه في قلب الصناعات التكنولوجية المتقدمة عالمياً. هذا التكتيك يهدف إلى إظهار أن الصين لديها عدد لا يُحصى من الأدوات التي تمكنها من إلحاق الضرر بالاقتصاد الأمريكي في قطاعات حساسة غير الزراعة.

المحور الثاني: فول الصويا كسلاح اقتصادي استراتيجي

برز فول الصويا كأكثر السلع تضرراً من الحرب التجارية، وتحول من سلعة أساسية في التجارة الثنائية إلى ورقة مساومة وسيف مسلط على قطاع الزراعة الأمريكي.

الضربة المباشرة للقطاع الزراعي الأمريكي

كانت الخطوة الصينية بوقف شراء فول الصويا ضربة قاصمة، حيث تقلصت قيمة واردات بكين من هذه السلعة الأمريكية من حوالي 12.6 مليار دولار سنوياً إلى صفر دولار في فترة زمنية وجيزة. هذه الخسارة لها أبعاد كارثية، حيث أن أكثر من 50% من إجمالي الصادرات الأمريكية من فول الصويا تذهب عادة إلى الصين. إن زراعة فول الصويا في الولايات المتحدة، خلال العقود الأربعة الماضية، بُنيت بالأساس لتلبية الطلب الصيني الهائل.

الهيمنة الصينية على السوق العالمي

تضاعفت شدة الأزمة بسبب هيمنة الصين على الطلب العالمي، فهي ليست مجرد أكبر مستورد لفول الصويا، بل تستورد وحدها حوالي 61% من إجمالي الكميات المتاحة للتداول في السوق العالمية. هذا يعني عملياً أنه لا يوجد في السوق العالمية أي بديل قادر على استيعاب الفائض الضخم من المحصول الأمريكي الذي كان موجهاً لبكين. وبامتناع الصين عن الشراء، تُرك مئات الآلاف من المزارعين يواجهون فائضاً هائلاً دون مشترٍ، مما أدى إلى انهيار الأسعار وتكبد خسائر فادحة تتجاوز تكاليف الإنتاج والاقتراض.

الأمن الغذائي كدافع صيني

لا يقتصر الدافع الصيني لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة على المناورة التفاوضية فحسب، بل يتعداه إلى هدف استراتيجي أعمق هو الأمن الغذائي. يُعد فول الصويا عنصراً أساسياً في صناعة الأعلاف الحيوانية التي تُستخدم لتغذية ما يقرب من 400 مليون خنزير، والتي تمثل المصدر الرئيسي للبروتين الحيواني في الصين. ترى بكين أن الاعتماد على مورد واحد غير موثوق به مثل الولايات المتحدة، التي قد تقطع الإمدادات فجأة (كما حدث في قطاع الرقائق الإلكترونية)، يشكل تهديداً لأمنها القومي الغذائي. لذلك، فإن تقليل الواردات الأمريكية وتنويع قاعدة الموردين هو هدف هيكلي طويل الأمد.

المحور الثالث: التداعيات الداخلية والأزمة السياسية في أمريكا

ارتدت استراتيجية الضغط الأمريكية عكسياً، مُحدثة أضراراً اقتصادية وسياسية جسيمة داخل الولايات المتحدة نفسها.

التضرر الاقتصادي وتراجع الصادرات الزراعية

شمل التضرر القطاع الزراعي الأمريكي بالكامل، حيث انخفضت جميع الصادرات الزراعية الموجهة إلى الصين بأكثر من 50% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأمريكية. هذا التدهور دفع المزارعين إلى حافة الانهيار المالي، خاصة أنهم لا يمتلكون مساحات تخزين كافية للفائض المتوقع، مما يضطرهم إلى بيع المحصول بأسعار متدنية جداً أو تركه يتلف.

الأزمة في الولايات الرئيسية والانتخابات

تحولت الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية مباشرة للرئيس الأمريكي. فالمتضرر الأكبر هم المزارعون في ولايات الغرب الأوسط، مثل إلينوي، آيوا، ونبراسكا، وهي ولايات تُعد قاعدة انتخابية صلبة وتقليدية للحزب الجمهوري. تعريض مصالح سكان هذه الولايات للخطر يهدد القاعدة الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، مما يجعل الرئيس يبدو في نظر ناخبيه سبباً مباشراً في معاناتهم.

المساعدات الحكومية كحل مؤقت ومُكلِف

حاولت الإدارة الأمريكية امتصاص الغضب عبر تعويض المزارعين المتضررين من عائدات التعريفات الجمركية. ورغم أن هذا التكتيك استُخدم سابقاً، فإن التقديرات تشير إلى أن الدعم الاقتصادي المطلوب حالياً قد يصل إلى 50 مليار دولار. هذا المبلغ الضخم يواجه عقبات كبيرة، أبرزها ضرورة الحصول على موافقة الكونجرس، وهو أمر غير مضمون في ظل الانقسام الحاد بين الحزبين، مما يجعل المساعدات، إن تحققت، مجرد مسكن وليس حلاً هيكلياً لغياب السوق الصيني.

المحور الرابع: البدائل الصينية ورفض التفاوض تحت التهديد

تتمتع الصين برفاهية الوقت والبدائل، مما يجعلها غير مستعجلة لإنهاء النزاع التجاري على النقيض من واشنطن.

تنويع الموردين والاحتياطي الاستراتيجي

استجابت بكين للوضع الجديد بالتحول الكامل إلى موردين آخرين، وفي مقدمتهم البرازيل والأرجنتين، حيث استوردت من البرازيل وحدها حوالي ثلاثة أرباع صادراتها من فول الصويا في فترة وجيزة. إضافة إلى ذلك، تمتلك الصين احتياطياً استراتيجياً ضخماً يقترب من 44 مليون طن متري من فول الصويا، مما يضمن لها قدراً كبيراً من المرونة في التفاوض.

فشل استراتيجية التصادم

يُظهر التحليل أن نهج الرئيس الأمريكي التصادمي والمبني على فرض الضغط قد ينجح مع دول أخرى ولكن لا ينجح مع الصين. ففي ظل عناد بكين وعدم تراجعها، أدى هذا النهج إلى تصعيد الأزمة بدلاً من حلها، كما ظهر في التهديد بفرض تعريفات 100% إضافية وإلغاء لقاء كان مقرراً مع الرئيس الصيني، مما زاد من قلق المزارعين الأمريكيين الذين كانوا يعولون على هذه القمم لإنهاء المقاطعة.

في الختام، يبدو أن القيادة الصينية لا ترى أي حافز لتقديم تنازلات في مواجهة أسلوب عدائي يُحرص على إظهار “الآمر الناهي“، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع قوة صاعدة وذات ثقل استراتيجي مثل الصين.

من ابن خلدون

مدونة ابن خلدون لنشر المقالات الثقافة والاقتصادية والاجتماعية، وهي تقدم المختصر المفيد من الوثائقيات والبودكاست والبرامج المنشورة على الشبكة العنكبوتية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You cannot copy content of this page