يناقش هذا الفيديو الجدل المحتدم في الأسواق المالية العالمية حول ما إذا كان الطفرة الحالية في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي تمثل ثورة تكنولوجية حقيقية أم أنها فقاعة مالية هائلة على وشك الانهيار. وقد أطلقت شخصيات بارزة مثل سام ألتمان، مؤسس Open AI، تحذيرات صريحة من حجم الخسائر “غير الطبيعية” التي قد تترتب على هذا التضخم. وتتفق معه مؤسسات دولية كبرى، مثل صندوق النقد الدولي وبنك إنجلترا، التي نبهت إلى مخاطر “تصحيح حاد ومفاجئ” يشبه ما حدث في فقاعة الإنترنت عام 2000.
المحور الأول: براهين المتشائمين على الفقاعة (أدلة التضخيم غير الحقيقي)
يستند المحللون الذين يرون أن السوق يتجه نحو الانهيار إلى عدة مؤشرات، أبرزها:
1. التمويل الدائري والغسيل الاقتصادي:
تعتمد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى على حيل مالية لتضخيم الإيرادات بشكل مصطنع. أبرز مثال هو العلاقة بين شركات البنية التحتية (مثل نيفيديا) وشركات البرمجيات الناشئة (مثل Open AI). يتم هذا عبر صفقة تبادلية؛ حيث تستثمر نيفيديا مبالغ ضخمة في Open AI، لتعود الأخيرة وتشتري حصرياً رقائق نيفيديا. تسجل نيفيديا هذه العملية كإيرادات فورية، مما يرفع قيمتها السوقية (التي قفزت بـ 170 مليار دولار في يوم واحد نتيجة إعلان صفقة مماثلة)، بينما لا يتحرك أي نقد حقيقي صافٍ بين الجانبين، وهو ما يُشبه “البيع الدائري” الذي كان سائداً في فقاعة الدوت كوم بين شركات مد الكابلات.
2. حيل المحاسبة لتضخيم الأرباح:
تلجأ شركات التكنولوجيا الكبرى إلى ممارسات محاسبية مثيرة للجدل لتجميل قوائمها المالية. فمثلاً، تقوم شركة ميتا (فيسبوك) بتسجيل رقائق الذكاء الاصطناعي باهظة الثمن على أن عمرها الافتراضي أطول بكثير من عمرها التقني الحقيقي (المقدر بسنتين أو ثلاث)، مما يقلل من المصاريف السنوية ويزيد الأرباح المعلنة “على الورق”. في المقابل، تسجل نيفيديا إيراداتها مقدماً، مما يخلق تضخماً مزدوجاً ومضللاً للتقييمات.
3. فجوة العوائد مقابل الإنفاق:
هناك تباين هائل بين حجم الإنفاق على بنية الذكاء الاصطناعي التحتية والعوائد الفعلية المحققة. من المتوقع أن يتجاوز الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي **300 مليار دولار** في عام 2025، ليصل إلى **500 مليار دولار** في 2027، بينما لا تتجاوز العوائد الإجمالية من خدمات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة حوالي **12 مليار دولار**. تشير الدراسات إلى أن 95% من الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي لم تجنِ أي عوائد حتى الآن، وأن العوائد السنوية يجب أن تصل إلى **2 تريليون دولار** بحلول عام 2030 لتبرير حجم الإنفاق الحالي.
4. التقييم غير المنطقي للشركات الناشئة:
تشير حالة شركة ناشئة مثل “ثينكين ماينز” إلى الجنون المضاربي، حيث جمعت الشركة **2 مليار دولار** ووصل تقييمها إلى **10 مليارات دولار** دون أن يكون لديها أي منتج مُعلن أو خطة عمل واضحة، فقط بسبب أن مؤسستها كانت تعمل سابقاً في Open AI، مما يعكس الخوف من تفويت الفرصة (FOMO) لدى المستثمرين.
المحور الثاني: رؤية المتفائلين (قوة العمالقة ومنطق “احتلال القارة”)
يرى الجانب المتفائل أن الوضع الحالي مختلف جوهرياً عما حدث في عام 2000، وأن الإنفاق الضخم مبرر بالكامل:
1. قوة “السبعة العمالقة”:
يقود الطفرة الحالية “السبعة الكبار” (مثل جوجل، مايكروسوفت، أمازون، نيفيديا)، وهي إمبراطوريات راسخة لديها تدفقات نقدية وسيولة بالمليارات. يمثل هؤلاء العمالقة أكثر من ثلث سوق الأسهم الأمريكي. إنفاقهم المجنون يأتي من أرباحهم المتراكمة وليس من الديون والقروض التي كانت تمول شركات الدوت كوم الناشئة.
2. عقلية عدم تفويت الفرصة:
يرى هؤلاء المستثمرون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإنفاق الزائد، بل في التأخر عن الركب. وقد لخص مارك زوكربيرغ هذه العقلية بقوله إنه **”يفضل أن يصرف مئات المليارات على نحو خاطئ على أن يضيع فرصة الذكاء الاصطناعي”**. ينظرون إلى السباق الحالي على أنه أشبه “باحتلال قارة جديدة”، حيث يحصل الواصل الأول على أفضل الموارد ويتحكم في المستقبل.
3. التقييمات لا تزال نسبية:
على الرغم من الارتفاعات القياسية، تشير بعض التقارير إلى أن مضاعفات القيمة السوقية لقطاع التكنولوجيا اليوم لا تزال عند حوالي نصف المستويات التي وصلتها في قمة فقاعة الدوت كوم، مما يعني أن هناك “مساحة” للمزيد من النمو قبل الوصول إلى حالة “الجنون الكامل”.
المحور الثالث: سيناريوهات انفجار الفقاعة (التاريخ يحذر)
يتفق المؤرخون الاقتصاديون على أن كل ثورة تكنولوجية كبرى (كالثورة الصناعية أو السكك الحديدية) صاحبتها فقاعة مالية. السؤال ليس هل ستنفجر، بل كيف ومتى. هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للانفجار:
1. سيناريو برج الدومينو (الانهيار الداخلي):
يعتمد اقتصاد الذكاء الاصطناعي على ترابط مالي وتشغيلي مرعب بين الشركات الكبرى (OpenAI، نيفيديا، مايكروسوفت). هذا البرج هش داخلياً رغم مظهره الخارجي القوي. أي تعثر أو انهيار مفاجئ لقطعة دومينو واحدة يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام بأكمله في سلسلة تفاعلية، على غرار الأزمة المالية عام 2008.
2. سيناريو الرقابة والحظر (الصدمة الخارجية):
يُحذر خبراء، مثل جيفري هينتون (أبو الذكاء الاصطناعي)، من قوة هذه النماذج مقابل ضعف الرقابة. تخيل أن نسخة من الذكاء الاصطناعي خرجت عن السيطرة بسبب ثغرة أمنية أو سوء استخدام، مسببة كارثة (مثل تلاعب ببيانات حساسة أو تهديد للأمن القومي). قد يجبر هذا الحكومات على الضغط على “زر الإيقاف الكامل”، وفرض حظر شامل على كل نماذج الذكاء الاصطناعي. في هذه الحالة، ستفقد التريليونات التي استُثمرت في البنية التحتية قيمتها فجأة.
3. سيناريو الاختراع القاتل (التقادم التكنولوجي):
يُحذر التاريخ من ظهور اختراع يقتل التكنولوجيا الحالية. ففي فقاعة الدوت كوم، ظهر اختراع ضاعف سعة كابلات الألياف الضوئية مئات المرات، مما جعل معظم الكابلات الجديدة عديمة الفائدة وساهم في تعجيل الانهيار. اليوم، يتم إنفاق تريليونات على مراكز بيانات تعتمد على رقائق السيليكون. قد يؤدي اختراق مفاجئ في **الحوسبة الكمومية** أو تصميم جديد للرقائق إلى مضاعفة قوة الحوسبة آلاف المرات بتكلفة أقل بكثير. في لحظة واحدة، ستصبح مراكز البيانات العملاقة الحالية فائضة عن الحاجة، مما يعجل بانفجار الفقاعة.
