مقدمة:
يُحلل هذا الموضوع التوترات الاقتصادية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، مركزاً على قطاع استراتيجي بالغ الأهمية هو صناعة بناء السفن. فبينما تسعى إدارة ترامب لإخضاع الصين وإحياء الصناعة الأمريكية التي تدهورت على مدى عقود، يبرز التحليل فشل الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة التنين الصيني الذي رسخ هيمنته العالمية، مؤكداً أن هذه الحرب لن تنتهي بشكل جيد لأي من الطرفين.
المحور الأول: بداية التصعيد الأمريكي والرد الصيني
بدأت أزمة صناعة السفن بالتصعيد من الجانب الأمريكي، مدفوعة بالغرور تجاه القوة الصينية المتنامية، لتقابل برد صيني “الضربة بالضربة”.
أ. دوافع وإجراءات أمريكا
- الخلفية: تقدمت النقابات العمالية الأمريكية في مارس 2024 بطلب للتحقيق في ممارسات الصين “غير العادلة” في قطاع بناء السفن، مطالبين باتخاذ إجراءات لمكافحة استراتيجية الحزب الشيوعي الصيني التي هدفت للسيطرة على التجارة العالمية.
- الدافع: ينظر الأمريكيون إلى تفوق الصين في صناعة السفن الاستراتيجية كأكبر تهديد لهيمنتهم وقدرتهم على تحديهم، خاصة وأن الصناعة الأمريكية تكاد تكون منقرضة بالفعل.
- الإجراءات العقابية: بناءً على تحقيق خلص إلى أن هيمنة الصين تحققت عبر وسائل غير عادلة، فرضت الولايات المتحدة رسوماً عقابية اعتباراً من أكتوبر 2025، بلغت 50 دولاراً للطن على السفن المملوكة أو المُدارة من قبل شركات صينية تدخل الموانئ الأمريكية، مع تزايد سنوي للرسوم.
- الحافز: لتشجيع الشركات على الابتعاد عن بكين، وعدت أمريكا بتعليق الرسوم على السفن الصينية لمدة تصل إلى ثلاث سنوات إذا التزمت الشركة بطلب سفينة جديدة بنفس الحجم أو أكبر من المصانع الأمريكية.
ب. الرد الصيني المضاد
- المماثلة التامة: لم تسكت الصين على الإجراءات الأمريكية. فقد أعلنت وزارة النقل الصينية عن إجراءات عقابية مماثلة تماماً، ففرضت رسوماً بلغت ما يعادل 56 دولاراً للطن على السفن الأمريكية الصنع أو المملوكة لأمريكيين تدخل الموانئ الصينية.
- تكبيد التكاليف للمستهلك: نتيجة للرسوم المتبادلة، أعلنت شركات الشحن الكبرى (مثل ميرسك) أنها ستنقل هذه التكاليف المرتفعة إلى العملاء، مما يعني أن المستهلك الأمريكي هو من سيتحمل الجزء الأكبر من ارتفاع تكاليف الشحن، لكون أمريكا مستورداً صافياً من الصين.
المحور الثاني: هيمنة الصين وانهيار الصناعة الأمريكية
تكمن الثغرة الخطيرة في الاستراتيجية الأمريكية في حقيقة أن الصين بلغت مرحلة من النضج والهيمنة في الصناعة تجعل محاولة منافستها عبر الرسوم شبه مستحيلة.
أ. صعود الصين السريع
- الانقلاب الكبير: قبل 25 عاماً فقط، لم تكن الصين ذات شأن في بناء السفن. لكن بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، وضعت هدفاً استراتيجياً للتفوق، وتجاوزت اليابان وكوريا الجنوبية لتصبح أكبر منتج للسفن في العالم منذ عام 2010.
- الفجوة العالمية: اليوم، تستحوذ الصين على 55% من طلبات بناء السفن العالمية من حيث الحمولة، وعلى 67% من السفن الجديدة المتوقع تدشينها في السنوات القليلة القادمة.
- مقارنة صادمة: تمتلك أمريكا أقل من 1% من الأسطول العالمي للسفن التجارية، بينما تبني أحواض السفن الصينية سنوياً أكثر من 1000 سفينة تجارية كبيرة، مقابل بناء أحواض السفن الأمريكية أقل من 10 سفن تجارية في العام.
ب. تفوق اقتصاديات الحجم
- الجودة والسعر والسرعة: تفوق الصين ليس كمياً فحسب، بل يتمثل في قدرتها على الاستفادة من اقتصاديات الحجم لتنتج السفن بجودة عالية وبتكلفة منخفضة ووقت تسليم سريع، وهي مميزات تتجاوز أي تكاليف تفرضها العقوبات الأمريكية الجديدة.
- التكلفة المضاعفة: يبلغ سعر سفينة تجارية كبيرة مصنوعة في الصين حوالي 295 مليون دولار، بينما يمكن أن يصل سعر نفس السفينة المصنوعة في أمريكا إلى أربعة أضعاف هذا السعر، هذا الفارق يجعل شراء السفن الصينية الخيار الأفضل تجارياً، حتى مع احتساب الرسوم الجديدة.
- الطرق كلها تؤدي إلى الصين: لا يمكن لليابان وكوريا الجنوبية سد الفجوة في الإنتاج، لأن قدراتهم الإنتاجية محجوزة لسنوات، مما يعني أن شركات الشحن التي تريد سفينة جديدة بسرعة لن تجد مفراً من التوجه إلى الصين.
الخاتمة
تُظهر حرب الرسوم المتبادلة في صناعة السفن أن نهج إدارة ترامب لإخضاع الصين وإحياء الصناعة الأمريكية هو محاولة فاشلة بامتياز، ففي ظل هيمنة الصين المطلقة وتفوقها الهائل في اقتصاديات الحجم، لا يتوقع أن تنجح الرسوم في زحزحة بكين عن صدارة المشهد، وعليه، ويبدو أن نتيجة هذه الحرب محسومة سلفاً لصالح الصين، وسيكون الثمن في المقام الأول هو المستهلك الأمريكي الذي سيتحمل ارتفاع تكاليف الشحن، دون تغيير يُذكر في الوضع المتدهور لصناع السفن الأمريكيين.
العجيب هو قدرة الصين على التفوق في اقتصاديات الحجم في الكثير من الصناعات حتى أصبحت تقود العالم في التصنيع والابتكار في قطاعات صناعية ضخمة، وهذا لا يعود فقط إلى رخص العمالة الصينية الماهرة، وإنما هو نتاج فكر تخطيطي وعمل دؤوب لا يتوقف لاجتياح الأسواق العالمية، وهي تجربة فريدة ينبغي التعلم والاستفادة منها، فخلال سنوات قليلة تقفز الصين من بلد غير مؤثر في صناعة معينة إلى بلد يقود هذه الصناعة ويبتكر فيها ويهيمن على السوق العالمي، مع وجود منافسين قديمين فيها، كما هو الحال في صناعة السيارات كذلك وصناعة الهواتف وغيرها.
