مقدمة: حلم لم يكتمل يعود للحياة
في مطلع القرن الماضي، وتحديداً في ولاية نيو جيرسي الأمريكية، التقى اثنان من ألمع العقول في التاريخ: توماس إديسون وهنري فورد. كان لقاؤهما يدور حول مشروع سري وطموح من شأنه أن يغير مستقبل العالم: السيارة الكهربائية. آمن إديسون بأن بطاريات النيكل والحديد هي الحل، وعمل هو وفورد على نموذج كهربائي من سيارة فورد موديل تي، بهدف بيعها بسعر زهيد. لكن هذا الحلم لم ير النور؛ فقد كانت تكلفة البنزين آنذاك أرخص بكثير، مما أدى إلى التخلي عن المشروع. بعد قرن من الزمان، عاد هذا الحلم ليتحقق على يد شركة صينية بدأت صغيرة قبل أن تصبح عملاقاً عالمياً في صناعة السيارات، وهي شركة “بي واي دي” (BYD)، والتي تعني “ابنِ أحلامك” (Build Your Dreams).
نشأة بطل القصة وبداية الحلم
تبدأ القصة في قرية صينية معزولة تفتقر إلى أبسط الخدمات، حيث وُلِد وانغ تشوان فو لعائلة فقيرة جداً. عاش وانغ طفولة صعبة، تربى على قيم الصدق والاجتهاد، وكان متعلقاً بوالده النجار. لكن الحياة لم تكن رحيمة؛ فقد توفي والده بمرض سرطان الكبد وهو في سن السادسة عشرة. ازدادت الظروف صعوبة، واضطر شقيقه الأكبر لترك الدراسة والعمل لإعالته، بينما تزوجت أخواته لتخفيف العبء عن الأسرة.
بعد عامين فقط، تكررت المأساة بوفاة والدته أثناء عملها في الحقول. رغم هذه الظروف القاسية، تمسك وانغ بإصرار بالتعليم، مدعوماً من أخيه وزوجة أخيه التي باعت مصوغاتها لتمويل دراسته. تفوق وانغ في دراسته، وركز على مجال الكيمياء الذي كان شغفه، ثم واصل دراساته العليا في الهندسة الكهروكيميائية، التي ستمهد لتغيير حياته وحياة عائلته، بل والعالم. بعد تخرجه وحصوله على الماجستير، عمل كنائب مشرف في معهد بكين للأبحاث.
الصعود في عالم البطاريات
في منتصف التسعينيات، دخل وانغ تشوان فو في مشروع مشترك لإنشاء شركة متخصصة في تصنيع بطاريات النيكل والهيدروجين، وتم اختياره مديراً عاماً للشركة. لكنه سرعان ما رأى فرصة عظيمة بعد أن قرأ تقارير عن تخلي اليابان عن تصنيع بطاريات النيكل-كادميوم لأسباب بيئية. على الرغم من معارضة مجلس إدارة الشركة لفكرته بالتحول إلى هذا النوع، قرر وانغ خوض مغامرة تأسيس شركته الخاصة.
تأسيس BYD ومبدأ “الاختصار”
في أواسط التسعينيات، أسس وانغ شركة “يادي للإلكترونيات” (التي أصبحت فيما بعد BYD) في ورشة صغيرة في مقاطعة شينزن، بدعم مالي من ابن عمه. كان التحدي الأكبر هو التكلفة الباهظة لخطوط الإنتاج الممكنة والمستخدمة في اليابان.
هنا، طبق وانغ مبدأ “المبادئ الأولى” (First Principles) بطريقته الخاصة. بدلاً من تقليد طريقة الإنتاج الآلية اليابانية المكلفة، تساءل: لماذا يفعل الناس ذلك؟ الإجابة كانت أن الآلات في اليابان أرخص من الأيدي العاملة. لكن في الصين، كانت العمالة وفيرة وأرخص بكثير. فقرر وانغ دمج الآلات مع الأيدي العاملة (خط إنتاج شبه مُمَكَّن)، بل وصنع الآلات التي يحتاجها بنفسه، موفراً بذلك مبالغ طائلة ومحققاً كفاءة عالية. كما اعتمد على مبدأ “النسخ” أو الهندسة العكسية، حيث قام بدراسة بطاريات الشركات اليابانية العملاقة (سوني وسانيو) وإجراء تغييرات بسيطة عليها.
بهذه الاستراتيجية، أصبحت BYD أكبر شركة لتصنيع بطاريات النيكل-كادميوم في الصين بعد سنوات قليلة.
الغزو العالمي لسوق البطاريات
للانتقال إلى السوق العالمي، أرسل وانغ مديرته للمبيعات، ستيلا لي، إلى مقر شركة موتورولا في جورجيا، ونجحت بإقناعهم بمنح BYD فرصة. تبع ذلك توقيع عقود مع شركات أكبر مثل فيليبس وباناسونيك. والمفارقة أن الشركات التي كان وانغ يدرس بطارياتها، مثل سوني وسانيو، أصبحت عملاء له بعد الأزمة المالية الآسيوية، حيث وجدوا أن التعامل مع BYD أكثر توفيراً.
رغم النجاح وطرح الشركة في البورصة في مطلع الألفية، واجهت BYD تحديات قانونية بسبب اتهامات بسرقة براءات اختراع من سوني وسانيو. انتهت القضايا بتسوية مالية، لتصبح BYD بحلول عام 2003 أكبر شركة بطاريات في العالم.
الانتقال الجريء إلى صناعة السيارات
بعد السيطرة على سوق البطاريات، شعر وانغ أنه “أغلق اللعبة” في هذا المجال، وقرر الدخول إلى سوق جديد بالكامل: السيارات. قوبل قراره بالجنون من قبل المستثمرين، الذين هددوا بسحب استثماراتهم، خاصة وأن وانغ نفسه لم يكن يملك رخصة قيادة.
استراتيجية التقليد والنجاح الأولي
في عام 2003، اشترى وانغ حصة الأغلبية في شركة صغيرة للسيارات. ونتيجة لسحب المستثمرين أموالهم، خسرت BYD مئات الملايين من الدولارات في أيام قليلة. لكن وانغ أصر على المضي قدماً، مستغلاً خبرته في البطاريات للعمل على السيارات الكهربائية، واستمر في إنتاج السيارات العادية أيضاً.
في عام 2005، عاد وانغ إلى استراتيجيته القديمة: التقليد. قام بتقليد سيارة تويوتا كورولا الشهيرة بالكامل، وأنتج سيارة BYD F3، التي كانت مشابهة للكورولا ولكن بنصف الثمن، مستخدماً نفس مبدأ العمالة الرخيصة. نجحت السيارة F3 نجاحاً هائلاً، وبيعت منها مائة ألف سيارة في عام واحد، لتصبح السيارة المحلية الأسرع مبيعاً في الصين.
الثقافة المؤسسية والرؤية العالمية
افتتحت الشركة مجمع بينغشان الضخم الذي لم يكن مجرد مصنع، بل مجمعاً متكاملاً يضم مصنعاً ومطاعم ومساكن للعمال. آمن وانغ بمبدأ المساواة، وعاش وتناول الطعام بجوار عماله، معتبراً أن ثقافة الشركة يجب أن تقوم على الاحترام والمساواة خارج إطار العمل الرسمي. في تلك الفترة، وضع وانغ رؤيته الطموحة بأن تصبح BYD أكبر شركة سيارات في الصين خلال سنوات قليلة، ومن أكبر الشركات العالمية.
التحديات العالمية والنهوض من جديد
في معرض ديترويت للسيارات في عام 2008، قدمت BYD أول سيارة هجينة (تجمع بين الكهرباء والبنزين)، لكن الاستقبال كان بارداً. تندر الصحفيون على جودة السيارة وترجمتها الرديئة، وشككوا في مستقبل شركة بطاريات تحاول بيع السيارات، حتى أنهم سخروا من اسم “BYD” بأنه يعني “اجلب دولاراتك” بدلاً من “ابنِ أحلامك”.
استثمار بافيت والانتكاسة
في ذروة التشكيك، لفتت فكرة السيارات الكهربائية في BYD انتباه المستثمر الأسطوري وارن بافيت وشريكه تشارلي مانجر، اللذين استثمرا مئات الملايين من الدولارات. هذا الاستثمار رفع سعر سهم الشركة وجعل وانغ أغنى رجل في الصين عام 2009.
لكن التوسع في السيارات الكهربائية بالكامل (مثل طراز E6) على حساب السيارات العادية أدى إلى انخفاض الإيرادات والأرباح بشكل حاد، وفقدت الشركة حصتها في السوق. في هذه الفترة، سخر إيلون ماسك، مؤسس تسلا، من جودة سيارات BYD علناً.
الابتكار بعد التقليد
لمواجهة أزمة الجودة، قرر وانغ مرة أخرى استخدام مبدأ “الاختصار”، لكن هذه المرة لهدف نوعي: فكك سيارة مرسيدس أس-كلاس لفهم كيف تصنع السيارات الفاخرة، وكان مصمماً على إنتاج سيارة بريميوم تنافس الأفضل. وفي الوقت ذاته، بدأ دعم الحكومة الصينية للتحول إلى السيارات الكهربائية، مما أعاد BYD إلى الواجهة كأكبر مستفيد من هذا الدعم.
الأزمة الصحية وتغيير مسار الإنتاج
في عام 2019، ومع انتشار وباء كورونا، واجهت BYD أزمة في الإنتاج والمبيعات. لكن وانغ، الذي كان يعيش مع عماله ويعرف عائلاتهم، رفض تسريحهم. وبدلاً من ذلك، استفاد من النقص العالمي في المستلزمات الطبية. حول وانغ خطوط إنتاج السيارات إلى صناعة الكمامات والمطهرات، وأصبحت BYD أكبر مصنع للكمامات في العالم خلال أشهر.
بطارية الشفرة والتربع على العرش
استغل وانغ فترة الوباء للتركيز على نقطة قوتهم: الكيمياء والبطاريات. وطوّروا في الخفاء نوعاً جديداً من بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP)، أطلقوا عليها اسم “بطارية الشفرة” (Blade Battery).
كانت هذه البطارية طفرة عالمية لأسباب عديدة:
-
الأمان: تجاوزت أصعب اختبارات الثقب دون انفجار أو اشتعال.
-
التصميم: تصميمها الرفيع والطويل جعلها تركب في هيكل السيارة كـ”الكتب على الرف”، مما يزيد من متانة الهيكل ويقلل وزنه.
-
الاستدامة والتكلفة: لا تحتاج إلى الكوبالت أو المعادن النادرة، مما جعلها صديقة للبيئة وأرخص سعراً.
-
العمر الطويل: يمكنها العمل لمسافة تتجاوز المليون كيلومتر.
تغيرت قواعد اللعبة، وبدأت BYD تركز على تصميم السيارات أيضاً، مستعينة بمتخصصين عالميين، لإنهاء الجدل القائم حول أنها مجرد مقلد. في السنوات اللاحقة، شهدت مبيعات BYD نمواً هائلاً تجاوز 700%، لتصبح منافساً حقيقياً لشركة تسلا. بل إن تسلا نفسها اضطرت إلى الاعتماد على بطاريات BYD في بعض سياراتها لجودتها وأمانها وتوفيرها.
في الوقت الراهن، تسيطر BYD على الغالبية العظمى من سوق السيارات الكهربائية في الصين. وفي خطوة نحو التوسع العالمي، حظيت الشركة بفرصة ذهبية في البرازيل، حيث استحوذت على مصنع ضخم كانت تملكه فورد.
الخاتمة: بناء الأحلام
تحقق حلم وانغ تشوان فو في العقد الثالث من الألفية؛ فقد تحولت BYD إلى أكبر شركة سيارات كهربائية نقية في العالم، وأصبحت ثالث أكبر شركة للسيارات الهجينة بعد تويوتا وهوندا. إن قصة BYD هي تجسيد للرحلة الكلاسيكية: اليتيم الذي يعيش حياة صعبة ويحقق المستحيل، حيث عمل في البطاريات فأصبح الأكبر عالمياً، ثم انتقل للسيارات ليصبح الأكبر كذلك.
يكمن سر نجاح BYD في تطبيق المبدأ العلمي بحذافيره: “نبدأ من حيث انتهى الآخرون”. نعم، قلدت في البداية، لكنها لم تبقَ مجرد مقلدة، بل عدلت وتفوقت على صانعيها الأصليين. لقد غيرت BYD مفهوم الناس عن الشركات الصينية من مجرد نسخ سيئة إلى شركات مبدعة تنافس أعرق الأسماء. اليوم، أصبح حلم إديسون وفورد حقيقة ملموسة بفضل أولئك الذين آمنوا بأن الأحلام تُبنى، مثلما يشير اسم الشركة: Build Your Dreams.
