فنزويلا بين فكي الكماشة: هل ابتلع ترامب “طعم” النفط الفنزويلي؟

مقدمة

النجاح التكتيكي والمأزق الاستراتيجي تعد العملية العسكرية الأخيرة التي أدت إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، والتي تناول تفاصيلها وسياقاتها برنامج “المُخبر الاقتصادي+”، نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة. وبينما قد يظهر هذا الحدث كـ “انتصار ساحق” للإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب، إلا أن نظرة فاحصة للأبعاد الاقتصادية والسياسية تكشف أن واشنطن قد تكون ورطت نفسها في مستنقع طويل الأمد، حيث تحولت فنزويلا من خصم خارجي إلى مسؤولية أمريكية مباشرة تحت قاعدة “من كسر شيئاً فهو يملكه”.

حسابات القوة والدوافع الشخصية

لم يكن التحرك الأمريكي الأخير مدفوعاً فقط بمصالح قومية عليا، بل تداخلت فيه العوامل الشخصية بشكل لافت. فمن جهة، استغل مستشارو ترامب “كبرياءه” عبر عرض فيديوهات تظهر لامبالاة مادورو وسخريته من التهديدات الأمريكية، ومن جهة أخرى، كان هناك ضغط مستمر من أقطاب المعارضة الفنزويلية مثل ماريا كورينا ماتشادو، التي وعدت بتقديم “مفاتيح” النفط الفنزويلي للشركات الأمريكية مقابل الإطاحة بمادورو.

 أسطورة “مغارة علي بابا” النفطية

يعتقد الكثيرون، بمن فيهم الرئيس ترامب، أن السيطرة على فنزويلا تعني الوصول الفوري لأكبر احتياطي نفطي في العالم (أكثر من 300 مليار برميل). لكن الواقع التقني والاقتصادي يفرض معطيات مغايرة:

  • تهالك البنية التحتية: قطاع النفط الفنزويلي يعاني من نقص حاد في الاستثمار وسوء إدارة استمر لعقود، مما خفض الإنتاج من 3 ملايين برميل يومياً إلى أقل من مليون.

  • تكلفة الترميم الباهظة: تشير تقديرات الخبراء إلى أن إعادة القطاع لعافيته تتطلب استثمارات تصل إلى 133 مليار دولار على مدار سنوات طويلة، وهو ما لا تضمنه الظروف الحالية.

  • طبيعة الخام الفنزويلي: يُصنف النفط الفنزويلي كـ “خام ثقيل” عالي الكبريت، وهو مكلف في الاستخراج والتكرير، مما يقلل من جاذبيته في ظل أسعار النفط العالمية التي تحوم حول 60 دولاراً.

مأزق الشركات الأمريكية وصدمة الواقع

على عكس تصريحات ترامب المتفائلة، تظهر الشركات الأمريكية الكبرى تردداً واضحاً في دخول السوق الفنزويلية. فالمسؤولون التنفيذيون يخشون من غياب الاستقرار السياسي، وتاريخ كراكاس في تأميم الأصول الأجنبية، بالإضافة إلى أن انخفاض أسعار النفط حالياً لا يشجع على المغامرة في بيئة غير مستقرة أمنياً. واشنطن الآن تجد نفسها مضطرة للبحث عن سبل لـ “إجبار” أو تحفيز شركاتها على الاستثمار لتبرير عملية اختطاف مادورو اقتصادياً.

الفراغ السياسي وصراع “الشرعية”

داخلياً، وقعت الإدارة الأمريكية في تناقضات سياسية حادة:

  1. تهميش المعارضة: رغم دور ماتشادو في التحريض ضد مادورو، إلا أن ترامب أبدى عدم رغبته في دعمها، وربطت تقارير ذلك بخلافات شخصية تافهة تتعلق بـ “جائزة نوبل للسلام”.

  2. الرهان على “الشافيستا”: بدلاً من تسليم السلطة للمعارضة، تتجه الاستخبارات الأمريكية لدعم ديلسي رودريغيز (نائبة مادورو) كخيار يحافظ على استقرار الجيش والأمن، مما يعني بقاء هيكل النظام القديم ولكن بتبعية جديدة لواشنطن.

 “يو بريك ات.. يو أونت” (المسؤولية الكاملة)

التحدي الأكبر الذي يواجه ترامب الآن هو أن العالم يحمله مسؤولية ما سيحدث في فنزويلا غداً. فبعد إزاحة مادورو، أصبحت واشنطن هي المسؤول الفعلي عن إطعام 31 مليون فنزويلي، وإعادة إعمار الاقتصاد المنهار، وضمان عدم انزلاق البلاد نحو حرب أهلية. فنزويلا الآن ليست مجرد حقل نفط، بل هي عبء سياسي وإنساني ثقيل.

خاتمة:

هل تكون فنزويلا “فيتنام” الجديدة لترامب؟ في الختام، يظهر أن إدارة ترامب قد نجحت في “تغيير النظام” تكتيكياً، لكنها فشلت حتى الآن في صياغة “خطة لليوم التالي”. إن الركض خلف برميل النفط دون مراعاة التعقيدات الأرضية قد يحول فنزويلا من فرصة اقتصادية إلى “لعنة” تلاحق الإدارة الأمريكية، تماماً كما كانت حروب استنزاف سابقة. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت واشنطن ستحصد الذهب الأسود، أم ستغرق في رمال فنزويلا المتحركة.

من ابن خلدون

مدونة ابن خلدون لنشر المقالات الثقافة والاقتصادية والاجتماعية، وهي تقدم المختصر المفيد من الوثائقيات والبودكاست والبرامج المنشورة على الشبكة العنكبوتية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You cannot copy content of this page